طباعة الخطبة PDF اضغط هنا
طباعة الخطبة word اضغط هنا
خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 22 من رجب 1440هـ - الموافق 29 / 3 / 2019م
القَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ أَجَلًا، وَخَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ مَنْ شَرَّفَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَأَرْسَلَهُ، وَأَكْرَمُ مَنِ اصْطَفَاهُ بِالْوَحْيِ وَعَلَّمَهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ وَالْتَزَمَهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَرَاقِبُوهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَقَلِيلٍ وَكَثِيرٍ؛ قَالَ تَعَالَى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ: الإِيمَانَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ مِمَّا يَكُونُ بِالقَبْرِ مِنَ الفِتْنَةِ وَسُؤَالِ المَلَكَيْنِ، وَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَعِيمِ القَبْرِ أَوْ عَذَابِهِ، وَالإِيمَانُ بِهِ تَابِـعٌ لِلإِيمَانِ بِالغَيْبِ وَالإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ.
فَإِنْ كَانَ قَبْرُ العَبْدِ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ كَانَ مَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ كَانَ مَا بَعْدَهُ أَشَدَّ مِنْهُ؛ فَإِنَّ القَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ الَّتِي يَنْـزِلُهَا العَبْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُفَارِقُ أَهْلَهُ وَسَكَنَهُ، وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَالقَبْرُ مِنْ أَعْظَمِ المَوَاعِظِ وَأَبْلَغِ الزَّوَاجِرِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُوَ المُذَكِّرُ بِالْمَآلِ، وَالوَاعِظُ بِالمَصِيرِ، الَّذِي كُلُّ الخَلْقِ إِلَيْهِ سَائِرُونَ، وَفِي طَرِيقِهِ مَاضُونَ؟! عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ« [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَهَذَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ« قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ « [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الَأَلْبَانِيُّ].
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ عَذَابَ القَبْرِ وَنَعِيمَهُ وَمَا يَكُونُ فِيهِ؛ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: )سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ( [التوبة:101]، قَالَ الْحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: )سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ (عَذَابَ الدُّنْيَا، وَعَذَابَ القَبْرِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَالأَغْلَبُ أَنَّ إِحْدَى المَرَّتَيْنِ عَذَابُ القَبْرِ)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: )وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ([غافر:45-46]. وَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا عَذَابَ القَبْرِ؛ فَإِنَّ الحَقَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَرَّرَ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَهَذَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: )وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذَا العَرْضَ يَكُونُ فِي البَرْزَخِ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَثْبِيتِ عَذَابِ القَبْرِ).
وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: )يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ([إبراهيم:27] عِنْدَ ذِكْرِهِ لِثَبَاتِ المُؤْمِنِ فِي قَبْرِهِ، فَفِي الحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ الْبَـرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: )يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ(، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: » )يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا(: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ« [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
عِبَادَ اللهِ:
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَدِلَّةُ المُتَكَاثِرَةُ وَالنُّصُوصُ المُتَضَافِرَةُ فِي صِفَةِ سُؤَالِ المَلَكَيْنِ وَنَعِيمِ المُؤْمِنِ وَعَذَابِ الكَافِرِ، مِنْ ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ -وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ -لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا« قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: »وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ«.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ فِي القَبْرِ أَحْوَالًا وَأَهْوَالًا، وَعَذَابًا وَنَعِيمًا، وَضَمَّةً وَظُلْمَةً، وَفِتْنَةً وَسُؤَالًا، وَابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا؛ لِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: »إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ t].
عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا ضَمَّةَ القَبْرِ وَظُلْمَتَهُ، أَمَّا ضَمَّتُهُ: فَهِيَ ضَمَّةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المَيِّتِ؛ فَضَمَّةُ المُنَافِقِ وَالكَافِرِ لَيْسَتْ كَضَمَّةِ المُؤْمِنِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ « [رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
وَأَمَّا ظُلْمَةُ القَبْرِ: فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ -أَوْ شَابًّا- فِي عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: »أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟« قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا – أَوْ أَمْرَهُ- فَقَالَ: »دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ« فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: »إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فَـآمِنُوا -عِبَادَ اللهِ- بِمَا يَكُونُ فِي القَبْرِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنَـازِلِ الآخِرَةِ، قَالَ شَيْـخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّـةَ رَحِمَـهُ اللهُ: (وَإِثْبَاتُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْبَرْزَخِ - مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ).
فَاللَّهَ اللهَ -عِبَادَ اللهِ - مَا دُمْتُمْ فِي زَمَنِ الإِمْهَالِ بِالمُبَادَرَةِ إِلَى صَالِحِ الأَعْمَالِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْمَصِيرِ وَالمَآلِ؛ لِتَسْعَدُوا فِي الدُّنْيَا وَفِي دَارِ القَرَارِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحِبُّ الطَّائِعِينَ، وَيُكَافِئُ المُخْلِصِينَ، وَيُضَاعِفُ بِرَّهُ لِلْمُحْسِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ القَوِيُّ المَتِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِالدِّينِ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ المُبِينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ المَوْتَ حَقٌّ عَلَى العَبِيدِ لَا مَفَرَّ مِنْهُ وَلَا مَحِيدَ؛ قَالَ تَعَالَى: )كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ([آل عمران:185].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
لَقَدْ وَرَدَ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الأَسْبَابِ لِعَذَابِ القَبْرِ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُهَا وَالِابْتِعَادُ عَنْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ، وَكَذَلِكَ عَدَمُ الِاسْتِبْرَاءِ وَالتَّنَزُّهِ مِنَ البَوْلِ، وَالمَشْيُ بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: »أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ« [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الطَّوِيلِ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَرَدَ عَذَابُ القَبْرِ بِسَبَبِ: الكَذِبِ، وَالرِّبَا، وَهَجْرِ القُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَالنَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، وَالزِّنَا، وَالإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَالْغُلُولِ مِنَ الغَنَائِمِ، وَإِسْبَالِ الثِّيَابِ وَتَطْوِيلِهَا خُيَلَاءَ، وَالسَّرِقَةِ مِنَ الحُجَّاجِ، وَحَبْسِ الحَيَوَانِ وَتَعْذِيبِهِ وَعَدَمِ رَحْمَتِهِ.
فَعَذَابُ القَبْرِ وَعَذَابُ الآخِرَةِ أَثَرُ غَضَبِ اللهِ وَسَخَطِهِ عَلَى عَبْدِهِ، فَمَنْ أَغْضَبَ اللهَ وَأَسْخَطَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ ثُمَّ لَمْ يَتُبْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ لَهُ مِنْ عَذَابِ البَرْزَخِ بِقَدْرِ غَضَبِ اللهِ وَسَخَطِهِ عَلَيْهِ، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَمُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ.
وَأَكْثِرُوا -عِبَادَ اللهِ- مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ المُلْكِ )تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (فَإِنَّهَا كَمَا فِي الحَدِيثِ: »المَانِعَةُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ« [رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي طَبَقَاتِ الأَصْبَهَانِيِّينَ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ].
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
بَعْدَ هَذِهِ الأَدِلَّةِ الوَاضِحَةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ يَأْتِي بَعْضُ مُدَّعِي العَقْلِ فَيُنْكِرُونَ عَذَابَ القَبْرِ وَنَعِيمَهُ، وَيُقَدِّمُونَ أَهْوَاءَهُمُ البَاطِلَةَ، وَمَا تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ عُقُولُهُمُ الضَّالَّةُ، وَأَفْهَامُهُمُ السَّقِيمَةُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَأَوْصَلَهُمْ ذَلِكَ إِلَى إِنْكَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْغَيْبِيَّاتِ: كَالصِّرَاطِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهُمْ، فَاحْذَرُوا -عِبَادَ اللهِ- كُلَّ الحَذَرِ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَصَدَّرُونَ القَنَوَاتِ وَالمَحَافِلَ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي الشَّرْعِ بِالبَاطِلِ، مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى نَظَرِيَّاتٍ فِيزْيَائِيَّةٍ وَتَخَيُّلَاتٍ وَتَصَوُّرَاتٍ عَاطِفِيَّةٍ، غَايَةُ مَا فِيهَا ظُنُونٌ وَأَوْهَامٌ، وَأَمَانِيُّ وَأَحْلَامٌ؛ قَالَ تَعَالَى: )وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ( [النجم:28].
فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ مُؤْمِنُونَ، فَمَا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمَنَّا بِهِ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقْنَاهُ، وَلَا نَلْتَفِتُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّذِينَ يَصُدُّونَنَا عَنْ كِتَابِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، )فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ([النساء:65]، قَالَ الشَّيْخُ حَافِظُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَكَمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَلَا عَجَبَ وَلَا اسْتِغْرَابَ مِمَّنْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَجَحَدَ مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ، وَرَدَّ مَا صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ، وَحَكَّمَ العَقْلَ فِي الشَّرْعِ، وَعَارَضَ الوَحْيَ الرَّحْمَانِيَّ بِالْحَدْسِ الشَّيْطَانِيِّ، وَقَدَّمَ الآرَاءَ السَّقِيمَةَ عَلَى السُّنَنِ المُسْتَقِيمَةِ، وَآثَرَ الأَهْوَاءَ الذَّمِيمَةَ عَلَى المَحَجَّةِ القَوِيمَةِ، فَلَيْسَ بِعَجِيبٍ وَلَا غَرِيبٍ مِمَّنْ هَذَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْكِرَ عَذَابَ القَبْرِ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ الَّتِي لَا يُشَاهِدُهَا).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ وَالأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ أَتْمِمْ لِهَذَا البَلَدِ الأَمْنَ وَالأَمَانَ، وَاحْفَظْهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَخِذْلَانٍ وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَوُلَاةَ أُمُورِ المُسْلِمِينَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَانْفَعْ بِهِمُ البِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَاجْعَلْهُمْ نَصْرًا وَعِزًّا لِلْمَظْلُومِينَ وَالمَكْرُوبِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ بِهِمُ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ بِهِمُ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ بِهِمْ عِبَادَكَ المُوَحِّدِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ عِبَادَكَ المُسْلِمِينَ، وَاكْسُ عَارِيَهُمْ، وَأَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَدَاوِ جَرْحَاهُمْ، وَأَمِّنْ خَائِفَهُمْ وَانْصُرْهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَـمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة